﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حياكم الله في أول مجلس لنا في هذا الشهر المبارك. وأسأل الله في هذه الليلة المباركة، وفي هذه الساعة المباركة، كما جمعنا وأذن لنا بذكره، وشرفنا بالتحدث عنه جل جلاله، أن يجمعنا في الفردوس الأعلى من الجنة، ويمتعنا برؤيته والنظر إلى وجهه الكريم، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم اشرح صدورنا، ويسر أمورنا، وأنر بصائر قلوبنا، وأصلح لنا النوايا.

اليوم بإذن الله سنتدارس اسمًا من أسماء الله الحسنى، يحمل معاني جميلة: العطاء، والكفاية، والرعاية، والمراقبة؛ اسم الله المقيت.

وأستأذنكم أن يكون المصحف قريبًا منكم؛ لأننا سنمر على آيات كثيرة، لعل الله يكتب لنا أجر مدارسة القرآن، ويجعله لنا شفيعًا وحجة.

ورد اسم الله المقيت في القرآن مرة واحدة، في سورة النساء، قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: 85].

ومحاور لقائنا أربعة:

  1. المقيت: رزاقًا رقيبًا.
  2. ليس كل قوت يؤكل.
  3. طيّبوا أقواتكم تُستجب دعواتكم.
  4. كيف نعيش مع اسم الله المقيت، خصوصًا في رمضان؟

المحور الأول: المقيت رزاقًا رقيبًا

ما معنى اسم الله المقيت؟

لنبدأ أولًا بمعنى الاسم. المقيت من القوت؛ والقوت هو ما يقتات عليه الإنسان، و يجعله حيا بإذن الله. فمن غير القوت يضعف الإنسان ثم يتلاشى و تنتهي حياته. والقوت ليس أمرًا ثانويًا، بل مادة أساسية يستمر بها وجود الإنسان، ويتقوى بها على القيام بشؤون حياته وأعماله ونشاطاته اليومية.

وليس الإنسان وحده من يحتاج إلى القوت؛ فجميع الكائنات الحية التي نعلمها والتي لا نعلمها تحتاج إلى قوت يناسبها. فالقوت هو الغذاء الذي تعيش عليه الكائنات، وبوجوده تستمر حياتها بأمر الله، وإذا فُقد انتهت. ويمكن أن نقرب المعنى فنقول: هو كالوقود الذي بواسطته نستطيع أن نتحرك ونبقى على قيد الحياة.

تعالوا نتفكر قليلًا: ما الأشياء التي يمكن أن نطلق عليها اسم قوت؟ لو كتبنا قائمة، فسيأتي في أولها الغذاء؛ فالإنسان لا يعيش من غير غذاء. والهواء قوت لا تستغني عنه الكائنات الحية، والماء قوت، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]. والمعرفة قوت، والذكر قوت، وسنأتي على أقوات الروح والقلب لاحقًا.

لكن قبل ذلك، اسألوا أنفسكم: من أوجد هذه الأقوات؟ ومتى أوجدها؟ وكم مضى على هذا القوت الذي نقتات عليه اليوم؟

قال الله تعالى في سورة فصلت: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ۝ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ۝ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ۝ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: 9-12].

خلق الله الأرض في يومين، وجعل فيها الرواسي وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في تمام أربعة أيام، ثم قضى السماوات السبع في يومين؛ فيكون مجموع الخلق ستة أيام كما جاء في مواضع أخرى من القرآن. ومنذ أن خلق الله الأرض قدّر أقواتها وبارك فيها.

هل سمعتم أن قومًا جاءوا إلى الأرض فأنهوا ماءها كله؟ أو استهلكوا لحومها كلها؟ أو قضوا على جميع أشجارها وثمارها فلم تعد فيها فاكهة؟ وهل انتهى الهواء في فترة من الزمن؟ لا. فمن قدّر ذلك كله؟ إنه الله المقيت؛ الشاهد، الحفيظ، الرقيب على المخزون، العليم بما يحتاج إليه البشر وسائر الكائنات، وما عنده من خزائن السماوات والأرض لا ينزل إلا بقدر معلوم، وليس ذلك عن عجز، بل عن قدرة وعلم وحكمة.

تأمل في موائد رمضان

تذكروا أول أسبوع من رمضان، وما زلنا في أيام تجهيز الطعام والموائد. على مستوى مدينتك فقط: كم متجرًا ومخبزًا ومطعمًا وتطبيق توصيل يوجد؟ وكم طنًا من اللحم يتوفر يوميًا؟ وكم من الخضار والفواكه والدجاج والألبان والبيض؟ ثم تخيلوا الموائد كلها: من الذي وفر هذه الأقوات؟ إنه الله المقيت.

فكروا أبعد من ذلك: من زرع؟ ومن أنبت؟ ومن حصد؟ ومن سخّر الشحن برًا وبحرًا وجوًا حتى يصل قوتك إليك؟ إن الله يسوقه حتى يبلغك. ثم تأملوا العالم كله في هذه اللحظة: قرى ومدن، شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، عربًا وعجمًا، في الجبال والأودية والسهول. لو فكرنا في صنف واحد فقط مثلا البيض كم بيضة تؤكل كل يوم مثلًا؟ ومن الذي خلقها وقدر استمرار وجودها؟ إنه الله المقيت.

وتذكروا أيام جائحة كورونا، ورمضان الذي مر علينا في فترة الإغلاق؛ كانت الدنيا تبدو متوقفة، والحجر قائمًا، ومع ذلك وصل إلينا قوتنا، وهيأ الله له من الأسباب ما أوصله إلى البيوت. انه الله المقيت فإذا حالت بعض الأسباب، فتح الله أسبابًا أخرى.

وهذه الوقفة لا نريد منها مجرد معلومة عامة عن كثرة الأرزاق، بل نريد أن يتحول الاسم إلى معرفة قريبة: هذا الطعام الموجود في بيتك الآن، والذي ربما مررت به من غير انتباه، ساقه الله إليك عبر مراحل طويلة. أشخاص زرعوا وحصدوا وصنعوا ونقلوا ورتبوا، وكل واحد منهم تحرك في وقته، حتى استقر ما كُتب لك في مطبخك وعلى مائدتك. قد نعرف الحلقة الأخيرة فقط، لكن المقيت أحاط بالرحلة كلها.

وحتى تعرف معنى أن المقيت رزاق حسيب رقيب: هل تعرف، من غير أن تفتش، كل ما بقي في بيتك الآن من البقول والخضار والفواكه، ومتى سينفد، ومتى ستشتري غيره؟ لا نحيط بذلك، لكن الله المقيت يعلمه، لا على مستوى بيت واحد، بل على مستوى الكون كله.

وليس إمداده لنا وحدنا، حاشاه سبحانه؛ فالحيوانات في البر والبحر، وفي أعالي الجبال وأوساط الثلوج، قدر لها أقواتها. والأشجار والمزارع وسائر الكائنات جعل لكل منها ما يناسبها. أشجار التفاح والبرتقال تنبت في الحقل بجانب بعضها و كلاهما يحتاج إلى الماء، لكن لكل واحد منهما بقدر معين، فينبت ويزهر بالقوت الذي أذن الله به.

وقد جعل الله لكل أرض ما تتميز به من الأقوات والثمرات والمنافع بل و ما يتناسب مع طبيعة البيئات سواء الحارة أو الباردة.  فالمدينة المنورة معروفة بالتمر، وبلاد الشام بالتين والزيتون، ومكة يأتيها رزقها من كل مكان. كل ذلك من تقدير المقيت سبحانه لأنه وباختلاف الأقوات تستمر المصالح بين العباد، وتتبادل البلدان المنافع، فإذا رأيت اختلاف ما تنتجه البلاد، فلا تنظر إليه على أنه تنوع للمتعة وحدها. هذا الاختلاف سبب في حركة الناس وتبادل المنافع، وفي أن يحتاج بعضهم إلى بعض. 

الفرق بين المقيت والرزاق

قد تقول: هذا الاسم قريب من اسم الله الرزاق. نعم، بينهما قرب، لكن الرزاق أوسع وأشمل؛ فالبصر رزق، والمال رزق، والولد والزوج والبيت رزق. أما القوت فهو ما تقوم به الحياة ويحتاج إليه البدن أو الروح حاجة أساسية. يستطيع الإنسان أن يعيش من غير بصر أو سمع أو ولد أو زوج، مع ما في ذلك من النقص أو المشقة، لكنه لا يعيش بلا غذاء أو ماء أو هواء.

المقيت القادر المقتدر

وقد ذكر أهل التفسير في معنى المقيت: القادر المقتدر، والحفيظ، والحسيب، والشهيد، والرقيب، مع تقديره الأقوات وإيصالها إلى الخلق. الله المقيت هو الخالق القادر. خلق أصناف الطعام وأنواعه، ما نعرفه وما لا نعرفه. قد تسافر وترى في متجر شيئًا لأول مرة؛ الله المقيت هو الذي خلقه، وجعله مناسبًا لبلد وأناس، وقدّر أن يساق إلى المكان الذي أنت فيه لتتعرف إليه أو تأكل منه فيكون رزقًا لك.

ثم خلق توافقًا بين أجساد المخلوقات وأقواتها. فكل كائن حي له طعام يناسبه، والحيوانات والأسماك لا تأكل كلها نوعًا واحدًا. وخلق داخل جسد الإنسان أجهزة تفكك الطعام، وتمتص النافع منه، وتطرح ما لا يحتاج إليه البدن. ثم تصل العناصر إلى الخلايا بحسب حاجتها؛ كل خلية في جسد الانسان لها قوت مختلف خاص بها، فليس الأمر مجرد وجود طعام، بل خلق الطعام، وخلق الجسد القادر على الانتفاع به، ثم إيصال الغذاء إلى أصغر خلية في جسدك. اذا هو المقيت بعلم وقوة وقدرة.

المقيت الحافظ

القوت الذي كتبه الله لك سيصل إليك، ولو جاء على يد غيرك، وربما على يد من لا تتوقع وقد يكون على يد عدوك، انظروا إلى سفر اطعام الطعام في الحرم تأتي الأقوات من جميع أنحاء العالم: من ساقها؟ من قدرها؟ قد يكتب الله أن يتصدق شخص على آخر، فيكون هذا العطاء هو القوت المكتوب لذلك المحتاج.

قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: 18]. أنزل الماء بقدر، ثم حفظه وأسكنه في الأرض، وهو وحده القادر على إذهابه.

وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: 40]. هو الذي خلق، ورزق، ويميت، ويحيي؛ ولا يملك أحد من دونه شيئًا من ذلك.

المقيت الحسيب الرقيب

قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: 6]. كل ما يدب على الأرض داخل في هذا المعنى: الإنسان، والحيوان، والحشرات، وسائر المخلوقات. المؤمن والكافر، والصالح والفاسد؛ يرزقهم الله جميعًا في الدنيا، وقوتهم مكفول بما كتبه سبحانه.

ولله المثل الأعلى: للأمهات لو طلبتِ مقاضي البيت، واخترت أفضل الطيبات واللحوم والخضار والفواكه، ثم صنعت الطعام وزينته وقدمتيه بأحسن ما تستطيعين، فلما وُضع على المائدة قال أحدهم: «لم يعجبني، أليس هناك غيره؟» كيف سيكون شعورك؟ قد تقول الأم هذه آخر مرة أصنع فيها الطعام! أما الله المقيت سبحانه، مع عصيان العبد وبعده، فلا ينساه من رزقه، وقد ضمن قوت الأبدان لمن يحب ومن لا يحب. حتى النملة الصغيرة قوتها مكفول.

انظروا إلى هاجر عليها السلام: نفد الماء واشتد بها وبابنها الحال، وبمقاييسنا لا سبب ظاهرًا للماء، لكن الله المقيت فجر لها زمزم، وما زال ماؤها إلى اليوم. وانظروا إلى مريم عليها السلام، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 37].

المحور الثاني: ليس كل قوت يؤكل

الإنسان جسد وروح

الإنسان مكوّن من جسد وروح. تحدثنا عن قوت الأبدان، وكيف قدّر الله في الأرض أقواتها منذ أن خلقها. لكن ماذا عن الروح الملازمة للجسد، التي لا تفارقه إلا عند النوم -وهو الموتة الصغرى- أو عند الموت؟ وحتى في النوم يظل قوت البدن قائمًا، بل يمكن أن نعد النوم نفسه من الأقوات التي يقيم الله بها الجسد.

السؤال هنا: ما قوت الروح؟ وكيف نطعمها؟ وما قوت القلب؟ وكيف حاله؟

حين يجوع البدن يرسل إشارات واضحة؛ يشعر الإنسان بألم الجوع، ويعرف أنه يحتاج إلى الطعام. وحين يحتاج البدن إلى التنظيف تظهر له علامات يفهمها. أما الروح فلا نسمعها تقول بلسانها: أنا جائعة أو عطشانة. قد يظهر جوعها في ضيق لا نعرف سببه، أو تشتت واضطراب، أو ثقل عن الطاعة، أو بحث متواصل عن شيء يملأ الفراغ ولا يملؤه. لذلك نحتاج أن نتعهدها قبل أن يشتد جوعها.

يستحيل أن يتوازن الإنسان إذا غذّى البدن وأعطاه كل حقوقه، ثم تجاهل الروح. لن نجد إنسانًا متوازنًا في فكره ونفسيته وقراراته وشخصيته وروحه جائعة. إذا جاعت الروح اضطرب كل شيء، وإذا جهل الإنسان صوت روحه سيبدأ بتغذية البدن أكثر فأكثر من متع الحياة، ومع ذلك يزداد الاضطراب والضنك والكرب.

لو اشتريت أغلى سيارة، واخترت لها أجمل لون، وزينتها بأحسن ما يمكن، وكانت نسخة حصرية لا يملك مثلها أحد، ثم وضعت فيها أرخص وقود لا يناسبها؛ هل ستسير؟ قد تمشي قليلًا ثم تتوقف. وأبداننا التي أفنينا الوقت في تزيينها وإعطائها حقوقها كالسيارة، أما الوقود الحقيقي لأرواحنا وقلوبنا فله شأن آخر. تشتكي القلوب الضيق والضنك وتتألم، لأنها لم تأخذ قوتها.

«هذه غدوتي»

انظروا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، هذه الشخصية العظيمة التي تركت مؤلفات وعلمًا واسعًا. لم يكن ذلك علمًا جاء بلا سبب، بل كان يعرف أين يجد القوت الذي يمده بالقوة. يقول تلميذه ابن القيم: إنه حضر شيخ الإسلام مرة، فصلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، يعني قرابة 5 ساعات ثم التفت إليه وقال: «هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ هذا الغداء سقطت قوتي». كان يعرف أن قوته الأساسية تأتي من تغذية الروح بذكر الله.

ومن رحمة الله ولطفه وكرمه أنه لم يتركنا نحتار ونتخبط، بل علّمنا أقوات أرواحنا، وهدانا إلى الإسلام. ذكر الله قوت أرواحنا، والاتصال بالله قوتها، وكلامه القرآن العظيم قوتها، والصلاة والدعاء قوتها، وأعمال القلوب من محبته وخشيته والخوف منه ورجائه واليقين به والتوكل عليه قوتها. والإيمان، ومعرفة أسمائه وصفاته، والعلم الشرعي: كل ذلك من قوت الروح.

وكم نرى حولنا من يبحث عن قوت الروح في غير موضعه: من يعبد بقرة، أو حجرًا، أو شجرة، أو يعيش بلا عبادة ولا صلة بخالقه. أما نحن فقد عرّفنا الله الطريق، وبيّن لنا ما تحيا به القلوب؛ فنعمة أن نكون مسلمين، وأن نعرف أين نطلب غذاء أرواحنا، من أعظم ما ساقه المقيت إلينا.

إن أردت قوتًا يمد بدنك بالقوة، فاعتن بقوت قلبك وروحك. غذاء الجسد ملموس، ولذلك يسهل علينا توفيره والشعور بنقصه؛ أما الروح فلا تقول بلسان مسموع: أنا جائعة، أو اسقيني. أنت تحتاج أن تفطن إلى سقيها وإعطائها غذاءها.

رمضان موسم إطعام الروح

الله المقيت سخّر لنا رمضان، ومد في أعمارنا حتى نعيش هذه الأيام، لتقتات أرواحنا المتعبة. مضى من الشهر نحو أسبوع؛ فليسأل كل واحد نفسه بصدق: هل انشغلت أكثر بقوت بدني أم بقوت روحي؟ الحمد لله الذي أبقانا، ونسأله أن يبلغنا بقية الشهر وليلة القدر ويتقبل منا.

حضورك وسماعك هذا المجلس قوت ساقه المقيت إليك. فتدارك ما فات، واحرص على القادم. طعامك وشرابك وماؤك وهواؤك مكتوب و مضمون و مكفول؛ فتفرغ لإطعام روحك. صفدت الشياطين، وفتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران، وتضاعفت الحسنات، وأُمرنا بالصيام والابتعاد عن الطعام في النهار؛ كل ذلك حتى تُسقى الروح التي أرهقتها أحد عشر شهرًا من تقلبات الحياة.

الحياة متعبة؛ فيها ابتلاءات وأحوال كثيرة، فجاء رمضان وغيّر الله لنا نظام الحياة حتى تجد الروح العطشى فرصة لتشرب. فقف واسقها، ويكفي انشغالًا بالبدن.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمنًا في سِربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». فالأمن والعافية وقوت اليوم نعم تجمع للإنسان ما يحتاج إليه من الدنيا. لم يقل قوت غد أو ما بعد غد؛ فإذا كان عندك قوت يومك، فقد أعطيت خيرًا كثيرًا.

خلقنا الله ضعفاء، ونحن في سعي مستمر وتقلبات وهموم ومنغصات، وفي حياتنا سقوط ونهوض. وفي رمضان يُفتح لك الباب لتقول: يا رب، أنا بين يديك، وهذه روحي فأصلحها. والمقيت يعلمك أن قوت قلبك لا يؤخذ إلا منه؛ فتعلم ماذا يغذي قلبك، وتفرغ لعبادة الله سبحانه.

حين نطعم كل شيء إلا أرواحنا

نحن قليلو الذكر والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة إلا من رحم الله؛ وهذه حقيقة لا بد أن نعترف بها. شغلتنا الدنيا، والعالم من حولنا مفتوح، والكل يجري ويتعب، ولا ندري أحيانًا إلى أين. ثم نشكو الضيق، ومن الطبيعي أن تضيق الروح إذا حُرمت قوتها.

يأتي رمضان، ويهيئ الله لنا أسباب الهدوء، ومع ذلك قد نظل نجري بالطريقة نفسها. حين نتعب نقول: نريد خرجة أو سفرة أو جلسة على البحر أو أكلة جميلة. نذهب إلى مطعم فنريد أن نستمتع ونصوّر ونتذوق، وقد نمضي ساعات في ذلك. ثم ماذا بعد؟ في أول يوم من رمضان رأيت حسابًا يعلن عن منتجات العيد! من مناسبة إلى أخرى، ومن شراء إلى شراء، ومن شغل إلى شغل، ومن هم إلى هم. أهلكنا أنفسنا بهذا الجري على دنيا فانية.

المشكلة ليست في مطعم أو سفر أو بحر؛ فهذه من المباحات والنعم، لكن السؤال: لماذا نعطيها ساعاتنا وهدوءنا الكامل، فإذا وقفنا للصلاة أو فتحنا المصحف استعجلنا؟ نختار الطعام على مهل، ونصوره، ونتذوقه، ولا نرضى أن يعكر أحد علينا متعتنا؛ ثم نعطي غذاء الروح دقائق متقطعة. الخلل في الميزان، لا في أصل الانتفاع بالنعمة.

والله رحيم؛ غيّر لنا نظام الكون في رمضان حتى نهدأ، ونرتاح، ونستقر، ونعيد ترتيب أولوياتنا، ونسقي أرواحنا.

الذكر في أشد المواطن

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل من أعباء الدعوة والأذى ما لا نحمله. آذته قريش، وعانى في سبيل تبليغ الدين، ومع ذلك كان يقوم حتى تتفطر قدماه، وكان جبريل يدارسه القرآن كل رمضان مرة، وفي العام الذي توفي فيه دارسه مرتين.

قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ۝ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 41-43].

وسورة الأحزاب تذكر واحدة من أشد الوقائع التي مرت بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ بعد هزيمة أحد، اجتمعت الأحزاب (اليهود و قريش و المنافقين) للقضاء على المسلمين، وكانوا في ضيق وخوف، ومع ذلك جاء الأمر: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. قد نتوقع أن يكون التوجيه الرباني كله: خططوا ورتبوا وتحالفوا، لكن مع الأخذ بالأسباب كانت كثرة ذكر الله هي الزاد المعنوي و المادي.

ولا يقول المرء: أنا في عبادة، وهذا يكفي؛ صليت التراويح اليوم، أو صمت، فلا حاجة إلى مزيد. إذا عطشت الروح وجاع القلب ظهرت أعراض ذلك: الضنك. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124]. حتى جرس كلمة «ضنك» يوحي بالضيق والانقباض. فإلى متى نترك أرواحنا جائعة، و نرضى لهم بأقل من القليل ثم نمنّ بالقليل من العبادة؟

وانظروا إلى الحج؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ۝ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 198-199]. خرجوا من عبادة عظيمة، ومع ذلك أُمروا بالذكر والاستغفار. ثم قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200]. ذكر الله بعد الفراغ من العبادات ثابت ومستحب بالأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة، بعد الصلاة و الصيام و الحج، ليكون العبد من ذكر إلى ذكر؛ لأنه غذاء الروح.

وفي لقاء العدو قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]. الثبات مأمور به، والتخطيط والأخذ بالأسباب مطلوب، لكن الذكر الكثير سبب للفلاح.

والفلاح يشبه عمل الفلاح في الأرض: يحرث، ثم يضع البذرة، ثم يسقي، ولا يحصد في اللحظة نفسها. الذكر زرع، وثمرته قد تظهر في الدنيا، وثمرته اليقينية في الآخرة. لا تقل: ذكرت الله مرة ولم أشعر بشيء، أو قرأت القرآن اليوم ولم يتغير حالي. الفلاح لا يضع البذرة ثم يحفر الأرض بعد ساعة ليرى هل نبتت. يسقيها ويرعاها وينتظر وقت الثمرة. وكذلك القلب يحتاج إلى ذكر يتكرر، وقرآن يصاحبه، وصلاة يعود إليها، حتى تتراكم فيه الحياة.

فلا بد مع الطاقة البدنية من طاقة روحية وقلبية؛ وإلا وقع الاختلال. كثير من الآلام الجسدية تتأثر بالحالة النفسية، وما يوصف أحيانًا بتراكم المشاعر قد يكون وراءه قلب يئن وروح تشتكي بعدها عن الله وتقول لصاحبها: أعدني إلى خالقي. المقيت يقوت أبدان من يحب ومن لا يحب، لكنه خص من شاء بهداية القلوب؛ عرّفنا الإسلام، وبلغنا رمضان، وأذن لنا أن نجتمع ونسمع ونتكلم عنه، وتحفنا الملائكة في مجالس الذكر. فنسأل الله أن يجعلنا ممن يقال لهم: قوموا مغفورًا لكم.

الاستغفار قوة ورزق

قال نوح عليه السلام: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10-12]. «غفّارًا» صيغة مبالغة؛ فالاستغفار قوت للروح، وسبب للرزق والبركة بإذن الله. تريد المال؟ عليك بالاستغفار تريد الذرية؟ عليك بالاستغفار

وقد اشتهر حديث: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب». والحديث مختلف في إسناده، وقد ضعفه عدد من أهل الحديث ؛ لكن معنى فضل الاستغفار وما يترتب عليه من خير ثابت بنصوص القرآن الصحيحة، ومنها آيات سورة نوح.

ولله المثل الأعلى: لو جاءك محتاج فطرق بابك مرة، فقلت: لا أملك، ثم عاد ثانية وثالثة، فقد يدفعك إلحاحه إلى أن تبحث له عمن يعينه. فكيف بالكريم سبحانه، والعبد يقرع بابه مفتقرًا، ويستغفره ويعترف بتقصيره؟ لا يمل الله من دعاء عبده، وإنما نحن الذين ننقطع ونستعجل.

وسيد الاستغفار كله ذل وافتقار واعتراف: يا رب، أنا أذنبت، وأنا معترف بتقصيري، فاغفر لي. فإذا كان كيانك الداخلي متصحرًا، متعبًا، جائعًا، عطشان، متخبطًا، فاعلمي أن روحك تحتاج إلى قوتها. توقفي وأغيثيها. لكل شيء في حياتنا وقت وتخطيط وجداول، فإذا جاء وقت الروح أعطيناها على عجل؛ مع أن هذا هو الباقي حين يفنى كل شيء.

وقال هود عليه السلام لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: 52]. تريد القوة؟ أي نوع من القوة: قوة على الطاعة، وعلى العبادة، وعلى التربية، وعلى أداء العمل، وعلى تغيير الحال. إذا أردت قوة لجسدك فأعط قلبك قوته. ذكر الله

قد يقول أحدنا: حاولت، ولم يتغير الحال، وربما صار أسوأ؛ فماذا أفعل؟ لو أن غذاءً واحدًا لم يصلح لبدنك، هل تمنع عنه كل طعام ثم تنتظر منه أن يعيش؟ لا. وكذلك الروح؛ قد تحتاج مزيدًا من الغذاء والمعرفة والمداومة. وفي الحديث القدسي: «ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا…». فابق على باب الله، وهو سبحانه يفرح بتوبة عبده، وينادي عباده في الثلث الآخر من الليل: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ نحن المقصرون البعيدون، وهو الذي يتوب علينا ويتقبلنا.

الصبر لا ينفصل عن الذكر

حين اشتد الأذى على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، ورأى أصحابه بين معذب ومحروم وشهيد، ولم يكن قد أُمر بالقتال بعد، جاءه توجيه القرآن: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: 130]. الصبر مؤلم ومر، و هو رحلة شاقة تحتاج إلى زاد روحي مستمر ومَدَدٍ لا ينقطع من ذكر الله لتخفيف مرارته وتحويله إلى طمأنينة في مواضع الصبر قل: يا رب، مدني بالعون، اذكره بقلبك و لسانك و اذكره على كل حال، و الجزاء ماذا؟ لعلك ترضى بعد هذا الصبر المر المؤلم 

وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ۝ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: 48-49]. وقال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ۝ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان: 24-25]. مع الصبر ذكر وتسبيح، قائمًا وقاعدًا، في الليل والنهار. تريد أن ترزق الصبر على ما في هذه الدنيا من منغصات؟ عليك بالذكر

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت». فالذي حُرم الذكر محروم من حياة القلب، مهما بدا أمام الناس مسرورًا. لا تغتروا بالصور والأقنعة؛ فكل واحد يحمل ما يشغله وما يتمنى، والله به عليم. وقد يكون خلف الصورة فراغ وخواء وتصحر.

السعادة والراحة والطمأنينة قوت معنوي من المقيت. فإذا كنت في حاجة فالمقيت قدّر لها قوتها، وإذا كنت في ضيق فله مخرجها، وإذا كنت في كرب فالمقيت أعطاك ذكره؛ فاذكره.

المحور الثالث: طيّبوا أقواتكم تُستجب دعواتكم

نحن في شهر فضيل، ورمضان شهر عبادة ودعاء. فما علاقة القوت باستجابة الدعاء؟ وكيف نطيب أقواتنا؟

١. احرص على القوت الحلال

إياك أن تغذ جسدك بالحرام. والحرام نوعان: حرام لذاته، كالخمر والخنزير وما حرمه الله علينا، وحرام لغيره؛ أي أن يكون الطعام في أصله مباحًا، لكنه جُلب بمال حرام أو بطريق محرم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا…»، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فقال: «فأنى يستجاب لذلك؟».

فتأكد من أن مالك ودخلك حلال. والتكاثر في الأموال، والسعي إلى تنميتها بأي طريقة من غير معرفة مصادرها وأحكامها، قد يجعل قوت الإنسان من الحرام، ثم يرفع يديه ويسأل الله ولا يرى أثر الإجابة.

٢. تذكروا المقيت عند كل طعام واشكروا فضله

قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. حين تضعين سفرتك وتعجبين بطبخك، أو ترين طعامًا جميلًا، لا بأس أن تقولي: أنا صنعته، لكن تذكري أن هذا رزق المقيت وفضله، وأن الله هو الذي علمك وقدّر لك الأسباب.

لا نكن كقارون حين قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78]. ومن السنة أن يقول من فرغ من طعامه: «الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة»؛ وقد جاء في الحديث أن من قالها غُفر له ما تقدم من ذنبه.

تأمل معنى: «من غير حول مني ولا قوة». من زرع الطعام؟ لست أنت. ومن حصده، وحمله، ونقله إلى المدينة، وجعله يصل إلى بيتك، وحفظه حتى تطبخيه؟ لم تقومي بكل ذلك. أنت صنعت الجزء الأخير، أما الرحلة كلها فمن تقدير الله وتسخيره.

٣. إياك أن تعيب الطعام

صار عيب الطعام سهلًا على ألسنتنا: «ليس لذيذًا»، «لا يعجبني»، «أليس هناك غيره؟» ويقوله الكبار والصغار. وفي ترك ذلك احترام لمن قدم الطعام وصنعه، وقبل ذلك أدب مع المنعم سبحانه.

لقد كثرت المطاعم وخيارات الطعام: أطعمة وقهوة وشاي على مدى البصر، ويدخل الإنسان فيحتار ماذا يختار، ثم يبطر بالنعمة. قد يكون الرجوع إلى الخبز والجبن البسيط خيرًا من قلب لا يرى ما حوله من نعم.

قال تعالى في وصف قرية أنعم عليها ثم كفرت: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]. كفر النعمة من أسباب زوالها.

وما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا قط؛ إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. علّموا أبناءكم ألا يعيبوا الطعام؛ ليس مطلوبًا أن يأكلوا ما لا يحبون، لكن يتركونه من غير سخرية ولا امتهان للنعمة.

وليتذكروا من لا يجد قوت يومه. لا نحتاج إلى رقم متغير لندرك أن حولنا أعدادًا كبيرة من الفقراء والجائعين؛ يكفينا أن نحمد الله إذا وجدنا قوت يومنا، وأن نعرف قدر النعمة.

ومن صور البطر أن نقول في منتصف رمضان: «مللنا هذا الطعام»، أو «طفشنا من السمبوسة». قل بدلًا من ذلك: الحمد لله الذي أنعم علينا، وسنغيّر نوع الطعام. كانت تمر على بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ليال لا يوقد فيها نار، ويكون طعامهم الأسودين: التمر والماء، وربما بات صلى الله عليه وسلم وليس عنده قوت.

وتذكروا قصة الأنصاري وزوجته التي نزل في معناها قول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ضيفاً محتاجاً، فلم يجد النبي طعاماً عنده فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يُضيف هذا الليلة رحمه الله؟»، فقام رجل من الأنصار فذهب به إلى أهله وقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: ما عندي إلا قوت الصبية (طعام الأطفال فقط). فقال لها: نوّمي الصبية إذا أرادوا العشاء، وأطفئي السراج (المصباح)، ونقرب للضيف ما عندنا لنريه كأننا نأكل معه. جلس الضيف فأكل، وبات صاحب البيت وزوجته وأولادهما جياعاً، فلما أصبح الغداة غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «لقد عجب الله -عزوجل- أو ضحك من صنيعكما بضيفكما الليلة»، فأنزل الله تعالى قوله: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} (سورة الحشر، الآية 9). هكذا كانت أحوالهم ايثار على ما بهم من الحاجة الشديدة والفقر مع الجوع.

٤. اسع في قوت غيرك يرزقك الله

اسع في قوت غيرك سرًا وعلانية، بحسب ما تستطيع. إن كان قوتًا ماديًا فالحمد لله، وإن كان معنويًا فلا تحقرن كلمة طيبة. وإن كان قوتًا إيمانيًا فذكّر الناس بالله، وأقم مجلسًا في بيتك، وقوّي قلوب من حولك.

تفقدوا من حولكم؛ ففي الناس متعففون لا يطرقون الأبواب، ويعيشون في ستر الله شاكرين نعمه. إذا عرفت محتاجًا فأعطيه ولو القليل، وإذا لم تقدر فادع له، وانو أن تعينه متى استطعت.

وحين تصنعين الطعام لأهل بيتك، غيّري النية: أنا أطعمهم وأحتسب الأجر، وأفطّر صائمًا. والتعب نفسه قد يصير عبادة بالنية. وقولي: يا رب، كما أقَتُّهم فأقِتني من فضلك.

ولا تقصروا القوت على المال والطعام. قد يكون من حولكم محتاجًا إلى كلمة تثبيت، أو معرفة صحيحة، أو الى من يسمعه و يفهمه، أو من يذكره بالله. المجلس الذي تقيمون فيه معنى إيمانيًا قد يكون قوتًا لقلب لا تعلمون ما مر به. والكلمة نفسها تقع على القلوب بآثار مختلفة؛ يسوق المقيت لكل قلب نصيبه منها.

٥. تخففوا

 إذا كانت حاجات البيت هذا الشهر بمبلغ معين، فانظر: هل أستطيع أن أخفض شيئًا من الكماليات وأجعل ما بقي لمحتاج؟ جرب، وانظر كيف يرزقك المقيت.

ليس التخفف حرمانًا للنفس من كل مباح، ولا دعوة إلى إهمال البيت والأهل، لكنه تدريب على ألا يملكنا الشيء. أستطيع أن أشتري ثم أترك لله، وأستطيع أن أرى ما عند الناس من غير أن أطارده، وأستطيع أن أكتفي بما عندي من غير أن أشعر بالنقص. بهذا يستعيد القلب حريته من التكاثر.

فنحن في زمن ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ۝ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: 1-2]؛ تكاثر في الطعام والشراب، وفي الزينة والسفر والمقتنيات، وفي كل شيء. والحسابات التي تعرض كل شيء طوال الوقت حتى جعلت الإنسان لا يعرف ماذا يريد، وتستثير في قلبه رغبات لا تنتهي. وفي بعض المجتمعات صارت هناك تحديات: من يأكل عشرة أطباق، أو عشرين، أو مئة! ثم ماذا بعد؟

ادع الله بصدق: يا رب، لا تجعل الدنيا أكبر همنا. والتخفف ليس من الطعام فقط؛ تخفف مما يلوث سمعك وبصرك ويقلب فؤادك. كان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». وقوت قلبك بيد الله المقيت؛ فإذا شغلته طوال الوقت بما يحدث في العالم من غير فائدة، فكيف تريد له أن يهدأ؟

قال الله تعالى لأهل النار: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: 20]. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول بمعنى كلامه: لو شئت لكنت من أطيبكم طعامًا وألينكم لباسًا، ولكني أستبقي طيباتي. وليس المقصود ألا ينتفع الإنسان بالحلال، أو أن يترك الدنيا كلها، بل أن يعرف أين يستثمر، وألا يستوفي همته في اللذة العاجلة وينسى الآخرة.

ومن هذا المعنى ما روي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وهو من العشرة المبشرين بالجنة: كان صائمًا، فلما قدم له الطعام بكى، فقال: قُتِلَ مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ وهو خَيرٌ مِنِّي، كُفِّنَ في بُردةٍ، إن غُطِّيَ رَأسُه بَدَت رِجلاه، وإن غُطِّيَ رِجلاه بَدا رَأسُه -وأُراه قال: وقُتِلَ حَمزةُ وهو خَيرٌ مِنِّي- ثُمَّ بُسِطَ لَنا مِنَ الدُّنيا ما بُسِطَ -أو قال: أُعطينا مِنَ الدُّنيا ما أُعطينا- وقد خَشِينا أن تَكونَ حَسَناتُنا عُجِّلَت لَنا، ثُمَّ جَعَلَ يَبكي حتَّى تَرَكَ الطَّعامَ. وكان بُكاؤُه شفقةً مِن ألَّا يَلحَقَ بمَن تقَدَّمَه، وهذا فِعلُ الخائفِ الوَجِلِ مِن الله سبحانَه، يتَوسَّلُ بذلك إلى إحسانِ العملِ؛ ليُحصِّلَ مغفرةَ ذُنوبِه، ورفْعَ دَرَجاتِه.

وهذا الوَرعُ وهذه التَّقْوى إنَّما تَنبعُ مِن قلب مؤمنٍ قويِّ الإيمانِ، وشخصٍ أقام دُنْياهُ لتَخدُمَ آخِرتَه، فكانت الدُّينا بزُخْرُفِها في يدِه وفي سبيلِ الله، لا في قلبِه.

اقرؤوا في القرآن، وأنتم تختمون في رمضان، عن نعيم أهل الجنة. كثير من وصفه ثمر وطعام وشراب؛ رمان وأشجار وأنهار، وهو قوت بدن باق لا يزول. فلو خفف الإنسان شيئًا من التوسع في قوت بدنه في الدنيا، وطلب أن يدخر الله له خيرًا في الجنة، فذلك خير و أبقى و هو يرجو الكريم الذي لا تنفد خزائنه.

وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا»؛ أي كفايتهم من غير توسع يشغلهم. وفي ذلك تعليم للقناعة، ورحمة بالفقراء لئلا يروا في بيت نبيهم ترفًا يحزنهم، وقدوة للأغنياء حتى يقتصدوا في التوسع والتكاثر.

٦. عظّموا النعمة

إذا كُفرت النعمة زالت، والنعمة الصغيرة قد تكون أعظم مما نتخيل. هذا الهواء الذي لا ترونه: المرضى الذين أصيبوا بأمراض الرئة يتمنون نفسًا سهلًا، ونومًا بلا صعوبة ولا أجهزة مساندة. ما اعتدناه قد يكون أمنية لغيرنا.

واقرؤوا قصة سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: 15]. كانت عندهم جنتان ورزق واسع وأمن، فلما أعرضوا و كفروا النعم قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: 16]. بقي القوت، لكنه تبدل من النعيم الواسع إلى خمط وأثل وقليل من السدر.

وقصة بني إسرائيل مثال آخر، حين أنزل الله عليهم المن والسلوى، وقال لهم: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 57]، ثم قالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 61]، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. فارضوا بما قسم الله لكم تكونوا أغنى الناس.

المحور الرابع: كيف نعيش مع اسم الله المقيت في رمضان؟

أولًا: تذكر أن حوائجك كلها عند المقيت

في كل طعام، وفي كل صلاة، وقبل كل عبادة وبعدها، تذكر أن الله وحده يملك أمرك. وحتى الأرزاق المعنوية: قلوب أطفالك، وزوجك، وأهلك، ومديرك، والناس جميعًا، بيد الله. قد تفعل ما تستطيع، لكن القلوب لا تقتات ولا تهتدي إلا بإذنه سبحانه.

قد تبذل جهدًا كبيرًا في تربية أبنائك، أو إصلاح علاقة، أو إقناع شخص، ثم لا ترى النتيجة التي تريدها. لا يعني ذلك ترك السعي، بل يعني ألا تتعلق بالسعي وحده. المقيت هو الذي يقوت القلوب بالإيمان والفهم والقبول، فاعمل وخذ بالأسباب، ثم اسأله أن يضع في القلب ما لا تستطيع يدك أن تضعه.

الصيام يذكرنا أن القوت الحقيقي ليس الطعام وحده. والإفطار يذكرنا أن المقيت لا يترك أحدًا: غنيًا كان أو فقيرًا، مريضًا أو صحيحًا؛ كل يأخذ ما كتبه الله له. وقيام الليل يذكرنا بأن القلوب عطشى، فاسقوها في رمضان.

ليكن لك نصيب من القرآن، ولا تنظر إليه على أنه حكايات وقصص نمر عليها لجمع أجر الختمة فقط، مع عظم أجر التلاوة؛ بل اسأل: ماذا يريد الله من هذه الروح البعيدة؟ ماذا يقول لي القرآن عن هذا الضيق الذي أعيشه؟ وكيف أعالجه؟

لم توصف عبادة في القرآن بالكثرة كما وُصف الذكر: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. فما «الكثير» الذي يناسبك؟ قد تحتاج إلى مقدار أكبر مما اعتدت عليه. ولا تضع سقفًا لطمعك في الكريم؛ اطلب أنفس ما عنده، كما تطلب أنفس ما في الدنيا، اطلب لقوت آخرتك أجمل ما تطلب لقوت بدنك.

إذا كان وردك قليلًا فلا تحتقره، لكن لا تجعل القليل نهاية الطريق. زد بحسب طاقتك، وثبت ما تستطيع المداومة عليه. إن احتجت مرتين فافعل، وإن احتجت ثلاثًا فافعل، وإن فتح الله لك باب المزيد فلا تغلقه. أنت تطلب من كريم يعطي بلا حد.

ثانيًا: اختاروا الصحبة والمجالس الطيبة

ليكن لك صحبة ومجالس طيبة، ولو كانت في نطاق عائلتك وبيتك الصغير. المجلس الذي يذكرك بالله قوت يسوقه المقيت إلى قلبك، فلا تستصغر أثر كلمة أو تذكير أو مدارسة قصيرة.

ثالثًا: احفظوا اللسان ليكون قوتًا لا سمًا

قوة اللسان في الذكر. ومن رحمة الله أن الذكر لا يتوقف على قدرة اللسان؛ فلو عجز عن الكلام استطاع القلب أن يذكر، والله يسمعه. واللسان إن لم تشغله بالذكر شغلك بغيره.

هل ترضى أن تأكل طعامًا فاسدًا؟ فلماذا نرضى أن نطعم أنفسنا طعامًا فاسدًا بألسنتنا؟ قال تعالى في الغيبة: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12]. اعقدوا النية في رمضان أن يحفظ الله ألسنتكم من الغيبة، والجدال، واللغو، والمهاترات، والكلام الذي لا ينفع؛ حتى يكون لسانًا منشغلا يذكر الله ويشكره.

وقد توعد الشيطان أن يصد الناس عن الشكر، فقال: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17]، وهو كذلك يريد صدهم عن الذكر. فلا تجعلوا له عليكم سبيلًا في قوت أبدانكم ولا في قوت قلوبكم.

هذا ما يسّر الله لي في هذا المجلس. فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان. أستغفر الله لي ولكم، وأسأله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم إنا سلّمنا لك قلوبنا جائعة، فأعدها إلينا شَبِعةً بأقوات تحبها وترضاها.

أضف تعليق